اخبار مميزةالأخبارمقالات الكتاب

جامع القرويين بالمغرب

جامع القرويين أو مسجد القرويين هو جامع في مدينة فاس المغربية التي تقع تحديدا في أقصى شمال شرق المغرب وقد تم الشروع في بناء الجامع في الأول من شهر رمضان عام 245 هجرية الموافق يوم 30 من شهر نوفمبر عام 859م وكانت السيدة أم البنين فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية هي التي تطوعت ببنائه علي نفقتها الخاصة وذلك بإذنٍ من حاكم بلاد المغرب حينذاك الإدريسي يحيى الأول وقد ظلت تباشر أعمال البناء بنفسها وهي صائمة منذ بداية البناء وحتي الفراغ منه فدخلت إليه وصلت به صلاة شكر لله وهذه المرأة المحسنة العظيمة هي إمرأة مسلمة عربية تعود أصولها إلى ذرية عقبة بن نافع الفهري القرشي فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان التونسية وهي شخصية تاريخية خالدة في ذاكرة مدينة القيروان وتونس ومدينة فاس في المغرب والتاريخ التونسي والمغربي بوجه عام وقد توفيت حوالي عام 265 هجرية الموافق عام 878م ويعتقد أنها قد ولدت عام 184 هجرية الموافق عام 800م في مدينة القيروان التونسية موطنها الأصلي ثم هاجرت مع شقيقتها ووالدها الفقيه القيرواني محمد بن عبد الله الفهري ومع العرب النازحين إلي مدينة فاس عاصمة الأدارسة في المغرب الأقصى أى المملكة المغربية حاليا في أيام الأمير يحيي بن محمد بن إدريس ونزلت مع أهل بيتها في عدوة القرويين زمن حكم إدريس الثاني وأقامت وإستقرت وتزوجت هناك .

ولم يمض زمن طويل حتى توفي والدها وزوجها فورثت عنهما ثروة طائلة شاركتها فيها أخت لها هي مريم بنت محمد الفهري التي كانت تكنى بأم القاسم فوهبت كل ما ورثته لبناء مسجد جامع والذى تحول تدريجيا إلى جامعة تدرس العلوم بشتى أنواعها ويتخرِج منها كبار العلماء والتي وصل إشعاعها إلى أوروبا في القرون الوسطى وحيث أنها كانت من الذين سكنوا أحد أكبر أحياء مدينة فاس المغربية وهو عدوة القرويين لذا فقد تم تسمية هذا الجامع جامع القرويين والجامعة جامعة القرويين نسبة إلى المهاجرين من القيروان وبعد وفاة هذه المرأة العظيمة ظل أهل مدينة فاس وحكامها يقومون بتوسعة المسجد وترميمه والقيام بشؤونه حيث أضاف الأمراء الزناتيون وهم من قبائل البربر التي كانت تسكن شمال أفريقيا بمساعدة من أمويي الأندلس حوالي 3 آلاف متر مربع إلى المسجد وقام بعدهم المرابطون بإجراء توسعة أخرى وهم دولة إسلامية ظهرت خلال القرن الخامس والسادس الهجري في منطقة المغرب الإسلامي إنبثقت من حركة دعوية إصلاحية إسلامية إعتمدت في بدايتها على العصبية القبلية الصنهاجية بعد إلتحام عدد من قبائل الصنهاجيين الكبيرة ولاقي هذا الإلتحام سند شعبي كبير لم يلبث بدوره أن تحول إلى سند عسكري أفضى في النهاية إلى نشوء قوة إقليمية إقتصادية نظرا لسيطرة تلك القبائل على عدد من الطرق التجارية إضافة إلى الروح الإسلامية الإصلاحية المبنية على إعتقاد سني مالكي فسمت نفسها تسمية معبرة عن ذلك وهي دولة الرباط والإصلاح أو دولة المرابطين .

ومدينة فاس التي تم بناء جامع القرويين بها هي إحدى المدن المغربية الكبرى الزاخرة بالتراث والتاريخ النابض في أركانها وتلالها ووديانها وقد جعلها إدريس الثاني عاصمة الدولة الإدريسية عام 177 هجرية الموافق عام 793م وإزدهرت في عهده ومن ثم إكتسبت أهمية عظيمة في بلاد المغرب وأصبحت مركزا أساسيا للنشاط السياسي والإقتصادي والعلمي والثقافي إلا أن أهميتها تراجعت منذ القرن العشرين الماضي عندما ألغى الإستعمار الفرنسي إعتبارها عاصمة دولة المغرب ونقل العاصمة إلى مدينة الرباط وهي تقع على الضفتين اليمنى واليسرى لنهر فاس وسط واد خصيب لهذا النهر وتحيط بها التلال وكانت في الماضي مقسومةً إلى مدينتين مسورتين مستقلتين حيث تأسست كل واحدة منهما علي كل من ضفتي النهر بصورة منفصلة فالشرقية أسسها إدريس الأول سنة 789م والغربية أسسها إدريس الثاني سنة 809م ولاحقا إتحدت الضفّتان تحت حكم الدولة المرابطية خلال القرن الحادي عشر الميلادى وقد إنتشر بها العمران في مكان إستقرار قبائل زناتة المغربية وتفجر من نهر فاس الذي يمر عبرها ينابيع كثيرة مما جعلها مصدرا مائيا غنيا هذا وتعتبر فاس أقدم المدن الأربعة التي شغلت عواصم المغرب في الماضي والتي تشمل فاس ومراكش ومكناس والرباط وتوجد حولها تلال منخفضة من كل الجوانب تغطيها غابات مليئة بالأشجار وتوجد حولها أراضٍ واسعة تصلح للزراعة حيث تكثر بها حدائق وبساتين الكروم وأشجار الزيتون وتنتشر في مراعيها الخراف والماعز والأبقار والإبل وهي مقسمة لثلاثة أقسام أولها فاس البالي وهي المدينة القديمة التي تعتبر الأكثر عراقة والأقدم تاريخيا وفيها بني جامع القرويين وهو أقدم مسجد في المغرب العربي وجامعة القرويين الملحقة به والتي تعد من أقدم جامعات العالم كما أن فاس البالي تحتوي الكثير من الفنادق الأثرية وثانيها فاس الجديدة والتي بناها المرينيون في خلال القرن الثالث عشر الميلادى وهم بنو مرين أو بنو عبد الحق وهم سلالة أمازيغية أيضا حكمت بلاد المغرب الأقصى من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي وهي تحتوي القصر الملكي العائد للعصر المريني وكذلك الجامع الكبير ويقع فيها حي اليهود القديم الذي هاجر معظم سكانه إلي إسرائيل بداية من عام 1948م وثالثها وآخرها المدينة الجديدة والتي أسسها المستعمرون الفرنسيون عام 1916م وتوجد بها محطة قطار ومعظم المنشآت الصناعية في المدينة هذا ويمتاز جو مدينة فاس بحرارته صيفا وبرودته شتاءا وبإعتداله في فصلي الخريف والربيع ولذا يكثر عدد السياح الوافدين إليها في هذين الموسمين وغالبا تكون الغاية من السياحة مشاهدة الآثار العريقة فيها وخاصة قصورها ومبانيها القديمة أو حضور فعاليات التظاهرات الدولية التي تعقد بها لمناصرة شعب يناضل من أجل إستقلاله أو تناول قضية فكرية معينة.

وتقام أيضا في أرجاء مدينة فاس إحتفالات ومهرجانات ومؤتمرات دولية في مجالات الثقافة والعلم والفكر والدين وهي تصنف كموقع للتراث الإنساني العالمي وفقا لمنظمة اليونيسكو منذ عام 1981م كما تتواجد فيها أسواق عديدة نابضة بالحركة وأزقّة ملتوية ضيقة جدا ومعقدة فيها العديد من المباني الأثرية القديمة وسوق العطّارين القديم والعديد من الزوايا والأسواق القديمة والحمامات والحصون وأبواب السور القديم للمدينة والقصر السلطاني والمرصد الفلكي والحي الصناعي والمحال التي تبيع مختلف أنواع المستلزمات وتنتشر بها عادات وتقاليد مغربية كالأعراس المتوارثة عبر الأجيال وطقوسها كما تعتبر مدينة فاس مدينة حضارية وتاريخية ومن أهم معالمها جامع القرويين والجامعة الملحقة به والتي تعتبر مركزا ثقافيا وعلميا وهي تعتبر أقدم جامعة مستمرة بالعمل في العالم وفقا لمنظّمة اليونيسكو وكتاب جينيس للأرقام القياسية إذ تمّ تأسيسها في عام 859م ولا زالت تعمل حتى هذه اللحظة وقد درس بها العديد من علماء المسلمين منهم الشريف التلمساني وإبن خلدون و لسان الدين بن الخطيب وإبن القاضي وإبن البنا المراكشي و إبن عربي وإبن رشيد السبتي وقد تخرج منها أيضا بعض علماء الغرب وبنيت حولها مدارس في القرن الثاني عشر الهجري وظلَّت تدرس العلوم الفقهية والعلمية لحوالي ألف ومئتي عام وقد سكن مدرسو الجامعة في بيوت خاصة بهم أمنتها لهم الدولة وحظوا بمرتبات ومكافآت وكان التدريس في الجامعة في البداية راجعا إلى خيارات المدرسين وأسلوبهم الخاص حتى عام 1789م عندما فرض السلطان المغربي محمد الثالث مناهج عامة على الجميع الإلتزام بها .

وبخصوص وصف جامع القرويين فقد كانت النواة الأولى له بسيطة للغاية حيث ينتظم الجامع حسب تصميم رباعي الزوايا مع وجود صحن أمام قاعة الصلاة التي تتكون من أربع بلاطات متوازية مع حائط القبلة وتشغل المئذنة وسط الحائط المقابل لجدار القبلة في الواجهة الشمالية للبناء وقد بقي الجامع على حالته الأولى التي نميزها في الجامع الحالي بواسطة الدعامات المتقاطعة على شكل صليب إلى حدود منتصف القرن العاشر الميلادي وفي عام 956م بدأت أعمال توسعة الجامع وساهم فيها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر فقد ضوعفت فأصبحت قاعة الصلاة الجديدة تحتوي على سبع بلاطات متوازية مع جدار القبلة كل واحدة مكونة من 21 عقدا دائريا وضعت على أعمدة مربعة من الآجر وفي عام 985م بنى المنصور بن أبي عامر حاجب الخلافة الأموية في الأندلس في عهد الخليفة هشام المؤيد بالله القبة الموجودة في مدخل البلاطة المحورية خلال إحدى حملاته الناجحة إلى فاس كما زود إبنه المسجد بمنبر وبنى به صهريجا لم يبق له أثر الآن وبعد مرور قرن من الزمان جعل المرابطون من القرويين أكبر جامع بالمغرب المسلم ففضاؤه أصبح ضيقا على المصلين لذلك تم هدم المنازل المجاورة وتعويض أصحابها وتم ضم مساحتها للجامع كما هدمت البلاطة المحورية وحائط القبلة وزيدت ثلاث بلاطات جهة القبلة اى جهة الجنوب ووسعت البلاطة الوسطى وزينت بأجمل القباب التي تفضي إلى محراب جميل كما زود الجامع بمنبر فخم كما أصبح للجامع 17 بابا للدخول إليه وإلي ملحقاته مثل دار الوضوء والمخازن كما قام الموحدون وهم سلالة أمازيغية حكمت بلاد المغرب الأقصي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بإستبدال الثريا القديمة بعد صناعة ثريا اخرى أفخم وأضخم للبلاطة الوسطى أما المرينيون فقد هيأوا غرفة الوقت قرب المئذنة وزودوها بآلات لضبط مواقيت الصلاة وأهمها الساعة المائية التي إخترعها إبن الحباك عام 1286م كما زينوا محراب الصحن ورمموا الرواق الشمالي وزودوا المسجد بثريا ضخمة مصنوعة من البرونز .

وفي عام 1350م أمر السلطان المريني أبوعنان فارس أيضا ببناء خزانة القرويين كما زين السعديون صحن الجامع بجناحين متقابلين يشبهان مثيليهما بساحة الأسود بقصر الحمراء بغرناطة يتم إلتقاؤهما في أطراف الصحن الموجود في وسط الجامع وكلّ جناح منهما يوجد فيه مكان مخصص للوضوء مبني من المرمر حيث صمم بطريقة مشابهة أيضا للتصميم الموجود في صحن الأسود في قصر الحمراء بغرناطة بالأندلس كما تميز جامع القرويين بوجود مئذنة واسعة ذات شكل مربع لا تزال موجودة وقائمة حاليا وتعد من التوسعات التي قام بها الزناتيون الذين يتبعون لعبد الرحمن الناصر وهي من أقدم وأجمل المآذن الموجودة في المغرب العربي ككل كما حظي هذا الجامع بإهتمام كبير من سكان المدينة المحليين والحكام المتعاقبين علي مر العصور لتوسيعه وترميمه والإهتمام بكل ما يتعلق به حيث عمل المرابطون على إضافة بعض التعديلات والتغييرات فيه فعملوا على تغيير شكل الجامع الذي عرف بالبساطة في بنائه وزخرفته وعمارته مع المحافظة على الملامح والشكل العام له بالإضافة إلى الفن الذي إستخدم من قبل المهندسين المعماريين في صناعة وتجهيز القباب والأقواس والنقش عليها بالعديد من الآيات القرآنية والأدعية ومن أهم الآثار التي تركوها بالجامع المنبر الذي لا يزال موجودا في الوقت الحاضر كما عمل الموحدون على إضافة الثريا ذات الحجم الكبير والتي تتميّز بجمالها التي زينت هذا الجامع وهي قائمة فيه ليومنا هذا ولقي هذا الجامع الإهتمام المتزايد أيضا فيما بتعلّق بتطوير المرافق الضرورية وتزيينها من خلال إضافة العديد من الثريات والساعات الشمسية والرملية بالإضافة إلى إضافة مقصورة القاضي والمحراب ذي الحجم الكبير والواسع والخزانة المخصصة لترتيب الكتب والمخطوطات والمصاحف ويتميز هذا الجامع بوجه عام بتصاميمه وطابعه المقتبس من التصاميم والطابع الأندلسي الذى إنتشر علي نطاق واسع سواء في بلاد الأندلس نفسها أو في بلاد المغرب العربي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق