اخبار مميزةالأخبار

مدينة مروى التاريخية بالسودان

مروي أو مرواه بالعربية أو ميدوي أو بيدوي باللغة المروية جميعها أسماء لمدينة مروي التاريخية وهي مدينة أثرية تقع في شمال بلاد السودان توجد علي الضفة الشرقية لنهر النيل وتبعد حوالي 6 كيلومترات إلي الإتجاه الشمالي الشرقي من مدينة كبوشية التي تقع شرقي نهر النيل علي بعد حوالي 209 كيلو متر من العاصمة السودانية الخرطوم بالقرب من مدينة شندي التي تقع في ولاية نهر النيل بالسودان علي إرتفاع 360 متر فوق مستوى سطح البحر وتبعد عن العاصمة الخرطوم بحوالي 150 كيلومتر في الإتجاه الشمالي الشرقي و45 كيلومتر من موقع آثار مروي القديمة وتعتبر مدينة شندى واحدة من أهم المدن الواقعة في شمال السودان من حيث موقعها الرابط بين شمال وشمال شرق السودان بالعاصمة الخرطوم التي تقع في وسط السودان إلي جانب قربها من التجمعات الحضرية في شمال وشمال شرق السودان ومن حيث تاريخها التجاري والسياسي القديم والمعاصر كما تبعد مروى حوالي 200 كيلو متر عن العاصمة الخرطوم ويوجد بالقرب منها مجموعة من القري تسمي البجراوية وأبرز ما يميزها هو وجود أكثر من 200 هرم في ثلاث مجموعات أطلق عليها إسم الأهرامات الكوشية وهي مباني مميزة الأحجام والأبعاد وقد تحطم الكثير منها عبر العصور المختلفة ولم يبق منها إلا عدد قليل وقد كانت مدينة مروى عاصمة للملكة الكوشية لعدة قرون وهي المملكة التي قامت في المنطقة جنوب الشلال الأول في بلاد النوبة العليا والسفلى حيث قامت حضارة وادي النيل النوبية الكوشية في هذه المنطقة وكانت لها ثلاث عواصم كل واحدة منها تعد إمتدادا للأخرى وهي كرمة ونبتة ومروي وجدير بالذكر أن السودان القديم يحفل بالعديد من الملامح التي تؤكد رسوخ الحضارة في تلك البلاد والتي تتمثل في الكثير من الآثار والمنتجات التاريخية وتتوزع عبر الأقاليم والمدن لتكشف عن ثقافة الإنسان السوداني وقدرته على الإبداع والنماء ويذخر السودان بالعديد من الآثار التي تكتسب قيمتها بمقارنتها بالفترة الزمنية للمناطق التي تماثله وتجاوره ولذلك تبرز أهمية أهرامات البجراوية كإنجاز سوداني في حقبة زمنية تمثل التكوين الثقافي لمجتمعات أوجدت فنا معماريا فريدا وإستخدمت فيه أنظمة حسابية تعتبر متقدمة في مجال الثقافة السائدة في ذلك الوقت .
thumbnail (1)
وتقع مدينة مروى التاريخية في الحافة الشرقية للإقليم الذي يشمل شبه الجزيرة الواقعة بين نهر عطبرة في الشمال والنيل الأزرق في الجنوب ونهر النيل في الشرق والذى يطلق عليه إسم إقليم البطانة والذى يحتوي علي موقعين كوشيين هامين أولهما هو موقع النقعة وهي مدينة أثرية سودانية قديمة كانت أحد مدن المملكة الكوشية في مروي وتبعد حوالي 170 كيلو متر شمال شرق العاصمة السودانية الخرطوم و50 كيلو متر الي الشرق من نهر النيل وإلي الشمال من منطقة ود بانقا وهذا الموقع يقع تحديدا عند إلتقاء وادي العوتيب الرئيسي القادم من منطقة البطانة بالأودية الصغيرة المتجهة نحو نهر النيل وتعتبر هذه المنطقة محطة تجارية وموقع إستراتيجي هام ويتضح هذا جليا من كميات الآثار الهائلة التي وجدت في هذه المنطقة والتي كانت أحد مداخل المملكة الكوشية التي كانت بدورها تلعب دور الجسر بين دول العالم الوسيط وبلاد قارة أفريقيا في قديم الزمان وبالموقع آثار هامة جديرة بالملاحظة مثل معبد أباداماك ومعبد آمون والمعبد الروماني وثانيهما هو موقع المصورات الصفراء وهو موقع أثري كوشي في شمال السودان يبعد حوالي 32 كيلو متر عن مدينة مروي و20 كيلو متر عن موقع النقعة و190 كيلو متر شمال شرق العاصمة السودانية الخرطوم وحوالي 29 كيلو متر الي إتجاه الشرق من مجري نهر النيل ويشكل هذا الموقع مع مدينة مروي وموقع النقعة شبه جزيرة مروي والتي تم إدراجها ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي في عام 2011 م .
thumbnail (7)
وفي منتصف القرن السادس قبل الميلاد تأسست في مدينة مروى مملكة أطلق عليها مملكة مروى والتي كانت تعد من أعظم الممالك النوبية في التاريخ النوبي حيث أنها إستمرت لمدة عشرة قرون وعاصرت في مصر الأسرة الفارسية ودخول الإغريق والرومان مصر وكان لها دور كبير في إثبات نفسها ضد الغزاة الذين حكموا مصر في هذه الحقبة الزمنية وقد مرت حضارة مروي بأربع مراحل متعاقبة وهي تبدأ بالمرحلة الأولي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد وحكم فيها الملوك في مدينة نبتة العاصمة القديمة لمملكة كوش وكان يوجد بها المعبد الرئيسي للإله أمون وأيضا حكم الملوك في هذه المرحلة في مدينة مروي حيث كان يوجد فيها مقر الحكومة والقصر الملكي وفي هذه المرحلة دفن الملوك والعديد من الملكات في جبانة نوري التي تقع بالقرب من نبتة ولكن تم دفن بعض الملكات في الجبانة الغربية بمروي ويلي ذلك المرحلة الثانية في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد وظل مقر الحكومة والقصر الملكي في مروي ولكن الملوك والعديد من الملكات دفنوا في مروي وإقتصرت أهمية نبتة علي معبد آمون وتبدأ المرحلة الثالثة بعصر الملك أركماني في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد وكان مقر الحكومة والقصر الملكي في مروي أيضا ودفن الملوك في الجبانة الشمالية بمروي ودفنت الملكات في الجبانة الغربية وإزدهرت مروي في هذا العصر وبدأ الملوك يبنون مباني دينية بها وبدءا من القرن الأول الميلادي بدأت حضارة مملكة مروي في الأفول والإضمحلال وهي تمثل المرحلة الأخيرة من مراحل هذه المملكة ودفن الملوك خلال هذه المرحلة بالجبانة الشمالية بمروي ودفنت الملكات بالجبانة الغربية وإنتهي الأمر في آخر هذه المرحلة بأن إنتهت حضارة مروي لأسباب عديدة حيث تشير التقارير من المصادر التاريخية أن قيام الرومان بإحتلال مصر ورغبتهم في التوسع جنوبا أدى إلي وقوع إضطرابات فى المنطقة الجنوبية من مصر وبإمتداد العمق السوداني مما أدى إلي وقوع مناوشات وأعمال عنف بين النوبيين والرومان وحاول النوبيون غزو جنوب مصر فقام بترونيوس الحاكم الروماني لمصر بإعلان الحرب عليهم وتمكن من دحرهم والإنتصار عليهم وطردهم من جنوب مصر كما تمكن من الإستيلاء علي ممتلكاتهم وثرواتهم فقاموا بهجوم كبير علي القرى المصرية الواقعة قرب الشلال الأول في جنوب أسوان وإستولوا علي العديد من المقتنيات والتماثيل وكان من بينها تمثال معدني لرأس الإمبراطور الروماني أغسطس نفسه وقاموا بدفن التمثال عند درج المعبد كي يطأه الناس بأرجلهم عند دخولهم وبعد ذلك تم توقيع إتفاق سلام بين الرومان والنوبيين في جزيرة ساموس عام 22م وتم إعادة تلك التماثيل وتمتعت مملكة مروى بعلاقات طيبة مع الرومان ولكن بلا شك أن هذه الحروب قد أضعفت المملكة ومن ثم فقد تدهورت الصناعات التقليدية فيها ودب الضعف في أوصال المملكة مما مكن مملكة أكسوم والتي كان مقرها في مدينة أكسوم على سفح جبال عدوة شرق إقليم تجراي الواقع حاليا في أثيوبيا من القيام بغزو أراضي مملكة مروى في منتصف القرن الرابع الميلادى ويقال إن عيزانا ملك مملكة أكسوم في ذلك الوقت عندما علم أن مملكة مروي المجاورة لبلاده قد أحرزت نموا وتقدما حضاريا مشهودا تقدم بجيوشه لغزو مروى وهكذا كانت نهاية مملكة مروي علي يده .
thumbnail (6)
ويمكننا القول إن مدينة مروي كانت قاعدة أساسية لمملكة مروي المزدهرة والتي إرتبطت بعلاقات تجارية كبيرة وقوية مع الهند والصين كما إزدهرت بها صناعات الحديد العالية الجودة وإشتهر صناع الحديد المرويين وكانت لهم شهرتهم في العالم ولذلك فقد إجتذبت مروى عمال التعدين من بلاد عديدة للعمل بها مما جعل الباحثين يطلقون عليها برمنجهام أفريقيا القديمة كما إستعان ملوك مروي بالساقية المصرية لزيادة إنتاج المحاصيل وقامت بتصدير النسيج المصنوع من القطن والذي إزدهرت صناعته عام 400 ق م وصدرت مروى أيضا الذهب والذي يتواجد في أرضها بشكل كبير كما تاجر المرويون في الماشية التي جلبوها من وسط أفريقيا كما سيطرت مروي في عز مجدها علي مسافة طولها في النوبة أكثر من ألف كيلومتر وكان الحاكم المروي حاكم أوتوقراطي ويشاركه السلطة فقط الأم الملكة ولكن دورها كان وما يزال غير معلوم لنا ولا يزال غامضا وتكونت الإدارة من أمناء مخازن وحاملي أختام ورؤساء أرشيف وكتبة وإستخدم ملوك مروي خط كتابة جديد بعيدا عن الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة التي إستخدمها ملوك نبتة وإن كانت مشتقة منها وهي تعتبر اللغة النوبية القديمة ومن المعروف أن أول نص كتب بالخط المروي يرجع إلي القرن الثاني قبل الميلاد وبعد ذلك إستبدلت النصوص المروية بالنصوص القبطية مع دخول المسيحية إلي النوبة في القرن السادس الميلادي وفك فرانسيس ليلوين جريفث رموز الكتابة المروية عام 1909م بعد أن طابق وأدرك حروف الأسماء في النصوص المروية والهيروغليفية وتتكون اللغة المروية من 23 حرف هجاء كانت تكتب بالخط النسخ المشتق من الصور الهيروغليفية وخط الرقعة المشتق من الخط الديموطيقي الذي كانت تكتب به اللغة المصرية القديمة كما كانت هذه الحروف تكتب من اليمين إلي اليسار ومن أعلي إلي أسفل .
thumbnail (5)
ومن الناحية الدينية فقد دلت موائد الفرابين المروية وتماثيل ألبا التي تمثل الروح علي إيمان المرويين بما يحدث في العالم الأخر وقد صنع المرويون موائد القرابين من الأحجار المتنوعة وكانت هذه الموائد مخصصة لأهل المتوفى الذين يأتون إلي المقابر لزيارة موتاهم فيسكبون الماء في الجزء المنخفض الأوسط من هذه الموائد علي القرابين بإستخدام أواني كانت تقطع علي الشكل المربع أو المستدير ويحيط بحوافها نصوص كورسيفية أى خط الرقعة المروية ودائما ما كان يصور الإلهين نفتيس وأنوبيس وهما يصبان الماء علي القرابين الموضوعة علي هذه الموائد ومما دل أيضا علي إيمانهم بالعالم الأخر مناظر المقاصير التي ألحقت بالأهرامات التي شيدوها في البجراوية والتي صوروا فيها مناظر جنائزية ونصوص من كتاب الموتى ذلك الكتاب الديني المصري الشهير وإعتبر المرويون الآلهة المصرية المعروفة إيزيس هي الآلهة التي تمنح الشخصية المجردة الخاصة بالمتوفى بإعطائها الإذن بمغادرة المقبرة إلي الجنة أما الإله المصرى أيضا أوزوريس فهو الذي يرشده في دروب العالم السفلي وقد عبد المرويون الآلهة المصرية وتضمنت هذه الآلهة الإله آمون وسماه المرويون آمان والآلهة إيزيس وأوزوريس وحورس وتحوت وغيرها وكان الإله آمان هو الإله الخالق منجب الملك ويعد الإله آمون من أقدم الآلهة التي تعبد لها النوبيون حيث كان له ظهور في الحضارة الكوشية منذ القدم وكان مركز عبادته في نبتة ولكن شيدت له معابد أخرى في كوة ومروي وإعتبر الملك المروي نفسه وسيطا بينه وبين البشر كما إعتبر المرويون أنفسهم عبيدا لهذا الإله وإعتبر النوبيون عامة والمرويون أن روح الإله تسكن في الجبل المقدس المعروف بإسم جبل البركل الذى سنتكلم عنه في السطور القادمة بإذن الله ولذا أصبح الإله أمون يعرف بإسم آمون جبل البركل ومن المعروف أن مؤسس مدينة نبتة ومشيد أول معبد لآمون هو الملك المصري تحتمس الثالث في منتصف القرن الخامس عشر ق.م وقام ملوك نبتة ومن بعدهم ملوك مروي بعمل إضافات لهذا المعبد كما شيدوا معابد لأنفسهم بإسم نفس الإله وكان الإله الرسمي في العصر المروي والذي يلي آمون في المكانة والأهمية هو الإله أبيدماك والذي صور علي شكل أسد وإعتبروه إله الحرب كما عبد المرويون إلها محليا أخر وهو سبيوميكر وإعتبروه الإله الخالق خاصة عند المرويين الجنوبيين .
thumbnail (4)
وخلاصة القول إنه يوجد في مروى نوعان من المعابد يبرز من خلالهما جماليات الفن المعماري لتلك الحقبة التي ظلت تثير إهتمام الباحثين في علم التاريخ والمعمار والآثار حيث أنها عبرت عن الوجه المشرق للحضارة النوبية وهما المعبد الآموني والمعبد المروي اللذان برزا كملمحين أساسيين في شكل المدينة المروية التي تبلغ مساحتها ما بين 30 و50 هكتارا ويبلغ عدد الأهرامات بها 57 هرما من جملة أهرامات أخرى وقد تم إكتشاف خرائط الشكل الهندسي لها داخل الهرم الذي يعرف بالهرم ذو الطرف المسطح حيث وجدت داخل إحدى غرفه وهي الغرفة رقم 8 وتتميز هذه الأهرامات بنهايتها المدببة وبزاوية ميلها شديدة الإنحدار من أعلي إلي أسفل وبصغر حجمها وقلة إرتفاعاتها التى تتراوح بين 6 أمتار و30 متر وفي المظهر العام تشتمل مدينة مروي على المدينة الملكية ومجموعة من الأهرامات تحتوي على مدافن والتي تعرف بالأهرامات الجنوبية والأهرامات الشمالية والأهرامات الغربية حيث تقع الأهرامات الجنوبية علي بعد أربعة كيلومترات إلى الشرق على حافة سلسلة من تلال الحجر الرملي وتعتبر الأقدم زمنا حيث بنيت في الفترة ما بين عام 720 ق.م وعام 300 ق.م وهي بذلك تعد الأهرامات الأولى التي بنيت في مروي وإتبع فيها تقاليد الدفن الملكي التي كانت متبعة في مقبرة نورى التي تقع بالقرب من مدينة نبتة حيث مقابر ملوك وملكات مملكة مروي القدماء وقد حظيت أهرامات مروي بإهتمام غربي حيث ذكر الخبير الألماني فريدريتش الذي إرتبط بالآثار السودانية منذ عام 1960م عبر البعثة الأثرية التابعة لجامعة هومبلدت في برلين في الحفريات الأثرية بمنطقة شندي بشمال السودان حيث ذكر أن إكتشاف خريطة تشييد الأهرامات كانت وليدة الصدفة المحضة وروي الألماني فريدريتش أيضا أنه قبيل مغادرته لمنطقة الأهرامات عائدا إلى برلين ظل يتمعن ويتأمل فيها حيث لفت إنتباهه وجود خطوط محفورة على هرم منها مما جعله يطيل النظر والتحديق في هذه الخطوط المحفورة بعناية كبيرة وعندما قام بتسجيلها وجدها تشكل مقاسات طولية وعرضية فشرع في عمل مقارنة هذه المقاسات بالأهرامات فوجدها مطابقة تماما للهرم رقم 2 بقاعدة خمسة أمتار وإرتفاع ثمانية أمتار .
thumbnail (3)
ومما يجب ملاحظته في أهرامات البجراوية أنها تتجه جميعها ناحية الشرق لتحية الشمس وإستقبال مشرق اليوم الجديد وتتشابه مع أهرامات مصر بأنها تزدان بعناصر زخرفية مستوحاة من الحضارتين الفرعونية والكوشية التى إشتهرت بإسم حضارة الفراعنة السود وقد يتعجب القارئ ويتساءل لماذا لم تنل هذه الآثار التى تعد من الكنوز الأثرية الثمينة وكان يجب أن تكون لها شهرة واسعة كتلك التى تتمتع بها أهرامات الجيزة في مصر على الرغم أن منظمة اليونيسكو قد أدخلتها ضمن أماكن التراث العالمي والإجابة ببساطة تكمن في عدم التسويق لتلك الأهرامات والترويج والدعاية لها ومن ثم عدم قدرتها على إجتذاب الزائرين وذلك يعود في الأساس نتيجة الظروف السياسية التي مرت بها السودان والعقوبات التي فرضت عليها في وقت من الأوقات فضلا عن وجود هذه الأهرامات فى منطقة صحراوية قاحلة غير مؤهلة لإستقبال السائحين وليس فيها أى عناصر جذب لهم علي نطاق واسع .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق