اخبار مميزةالأخبارتقارير وإحصاءات

“السياحة العربية” تتجول في أبرز معالمها .. تونس … تُـؤنِسُ الفؤادَ وتـَسرُّ الناظرين | مجلة السائح السعودي

الرياض .. السائح السعودي
ولاء يحيى

بعد سنوات من الانتظار والتأجيل المتكرر جاءت أخيرا زيارتي الأولى لتونس ، تونس التي طالما تطلعت إلى زيارتها بشوق كبير قبل سنوات الربيع العاصف وتقلـُّبات المواسم ،،
تونس الخضراء التي عرفتها يانعةً غضةً في قراءاتي ، وفاتنةً في قصص وحكايا أصدقائي التوانسة ، ويافعة قوية في تاريخها ومشوارها هأنا ذا قادمة إليكِ فاستعدي ….

اللقاء الأول
حملتُ معي في مخيلتي كلَ هذه الملامح المبهجة وغيرَها الكثير ، وقطعتُ بها رحلتي الطويلة والشاقة من البحرين إلى تونس العاصمة – مرورا بدبي – ويعتريني فضولٌ وشوقٌ لايهدأ … كيف سأستغل كل لحظة في ربوع الجمال والتاريخ والطبيعة البكر والطقس البديع ؟ متى سأتعرف عن قرب على هذه الفسيفساء الفريدة التي تجمع بين الشيء وضده وروعة المزج المتناغم بين الأصالة والتراث الإسلامي وبين الحداثة والمعاصرة المنفتحة على الغرب الأوروبي .


وصلت إلى مطار تونس” قرطاج الدولي” ظهراً بعد قرابة 12 ساعة من وجهة الانطلاق وعادة أسارع إلى إعادة ضبط ساعتي على توقيت دولة الوصول فور هبوط الطائرة منعاً للضياع ، وفي تونس وقتُ ساعتي على غرينتش بالضبط ، ومن ثم انطلقتُ إلى مقر إقامتي بأحد فنادق العاصمة الذي قامت بترتيبه لنا الجهة المضيفة ، وهنا كان الدرس الأول في طريق اكتشاف تفاصيل ومفردات الحياة التونسية وهو تسميتهم للفندق وكما يعرف في العربية الفصحى بـ ( النـُزُل ) .

نحو عشرين دقيقة, مدة رحلتنا إلى النُـزل, كانت كافيةً بالنسبة لي للتعرف على ملامح هذه المدينة التي سأمضي فيها 4 أيام فقط ولكن وعدت نفسي أن تكون استثنائية .


شوارع العاصمة التونسية نقلت لي انطباعاً أولياً بأنني أتجول في شوارع القاهرة ولكن دون ضوضاء أو أزمة مرورية خانقة ، شعرت أن ثمة تزاوجا روحيا وحضاريا بين البلدين ترك أثره في معظم المناطق السياحية والأثرية القديمة التي شاهدتها .. لاأعلم ؛ ربما بقايا الدولة الفاطمية والعثمانية وفترات الاستعمار الأوروبي المتناثرة الشواهد هنا وهناك ، ربما هي عادات وسمات الشعوب المتوسطية ، أو ربما ثقافة الطعام ولغة الجسد وملامح الوجوه التي ذابت في تنوع الحقب التاريخية والحركات التحررية والتقدمية التي اعتاد الشعبان على الثورة من أجلها.

لقاؤنا الأول ( أنا وتونس – عاصمة الساحل الأفريقي القديمة ) بدأ فعلياً بحلول المساء في شارع الحبيب بورقيبة ، الشارع الأشهر والأهم في قلب العاصمة والمسمى بالشانزيليزيه لانتشار المقاهي على جانبيه كشانزيليزيه باريس .. الشارع يتقاطع به العديد من الشوارع الرئيسية المعروفة مثل شارع محمد الخامس وشارع القاهرة وشارع روما وشارع اليونان وجمال عبد الناصر، في نهايته سور أبواب البلدة العتيقة وحي القصبة ، وتتوسطه ساحة برج الساعة وتمثال الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة وتمثال ابن خلدون ..

ورغم الطابع الفرنسي للشارع؛ إلا أنه بدا لي أشبه بشوارع وسط المدينة في القاهرة ( شوارع قصر النيل وطلعت حرب و فؤاد وعدلي وماحولها ) من حيث نقوش المباني والعمارة الأوروبية البديعة وتكدس البنوك والشركات ومقار الأعمال؛ ومن أهم معالمه كنيسة الفاتيكان ، مقر وزارة الداخلية والمسرح البلدي التونسي القديم .

تونس خلف أبواب البلدة العتيقة

في تونس يطلقون على الشارع اسم ( نـَهج ) أي طريق والجمع منه ( أنهـُج ) ، وفي يومنا التالي قصدنا نهج القصبة التاريخي القديم في نهاية شارع الحبيب بورقيبة ؛ حيث تلوح للرائي أبواب المدينة العتيقة وساحة القصبة .. يشتهر نهج القصبة بتعرجاته وأزقته الضيقة المميزة ودكاكينه الصغيرة وبازاراته المتنوعة التي تبيع التوابل والفضيات والنحاسيات والزيوت والحلويات والجلود والصناعات التونسية التقليدية والملابس التراثية وورش الشاشية ( الطربوش التونسي المميز ) . وللمرة الثانية قفز إلى مخيلتي مدى التشابه الكبير بين هذه المنطقة بأسواقها وجوامعها ومنطقة ( خان الخليلي في حي الحسين ) بمصر .


في ساحة القصبة الرئيسية؛ حيث مدخل السوق القديم تتخذ الحكومة التونسية وبعض وزاراتها كالمالية مقراً لها في قصور البايات العثمانيين القديمة وتُعرف رسمياً بقصر الحكومة أو دار الباي الذي بني في عهد “حمودة باشا بن علي الحسيني” خامس بايات تونس .

أمضينا في نهج القصبة بالبلدة العتيقة الساعات القليلة بين العصر والمغرب موعد الإغلاق وبالطبع لم تكن كافية لتشـُّرب كل تفاصيل هذا المكان الذي ينبض بالتاريخ والعراقة والجمال في كل شبر منه ،ويجمع بين ماتبقى من حقب الاستعمار المختلفة لتونس الفرنسية والبيزنطية والعثمانية ، وشموخ المآذن الشاهدة على الفتوحات الإسلامية وعصر النهضة الحقيقي كما في جامع ” الزيتونة ” الذي بني أواخر القرن الأول الهجري، الموافق لأواخر القرن السابع الميلادي أثناء الفتوحات لشمال أفريقيا ويعتبر منارة دينية وعلمية بارزة في العالمين العربي والإسلامي ، وعلى بعد أمتار قليلة منه يقبع جامع حمودة باشا العثماني.

وفي السوق القديمة بالقصبة ابتعنا من محال الحلويات التقليدية التونسية اللذيذة وذائعة الصيت محليا وعربيا مثل الـ ” مقروض ” و ” المسفوف ” والبقلاوة والهريسة .

تونس الحديثة

الأجواء اختلفت كلما ابتعدنا خارج “قلب تونس العاصمة ” إلى المناطق الأقل كدحاً والأكثر رفاهية، حيث تتكشف الأحياء الراقية التي تسكنها الطبقة الميسورة عنها في أحياء العاصمة الإدارية للدولة المكتظة بالسكان والتي تموج بالحركة نهاراً و تُصنف بأنها مدينة شعبية للطبقة المتوسطة تخترقها أحياء وتجمعات سكنية عشوائية غارقة في الفقر !.

وبصفة عامة تسهر العائلات التونسية من الطبقة الراقية وفوق المتوسطة وتسكن في أحياء مثل البحيرات والمَرسى وحلق الوادي على أطراف العاصمة وفي الطريق المؤدية إلى كل من قرطاج وسيدي بوسعيد الساحليتين الراقيتين بطبيعة الحال … هناك حيث الهدوء والفخامة والمقاهي الراقية والسيارات الأوروبية الفارهة والمنازل ذات الطراز المعماري الحديث والمعاصر وساعات السهر المتأخرة ..

وتعتبر منطقة البحيرات ( 1) و ( 2 ) مناطق سياحية هادئة يكثر بها المتاجر للعلامات التجارية العالمية والمطاعم والمقاهي والفنادق المطلة على البحيرات .

العاصمة التي تنام مبكراً

لم أكن أتوقع للحظة أن تونس تنام مبكراً أو( ماتينيه ) أي المساء المبكر كما يقال بالفرنسية فلم تشر الساعة الى 7:30 أو الثامنة بأقصى تقدير إلا وقد أغلقت المحال التجارية والمقاهي والمطاعم والصيدليات والخدمات العامة في العاصمة أبوابها؛ وخيم الهدوء على المدينة اللاهثة منذ الصباح وحتى العشاء سعيا للرزق وطلباً للعلم ، ولايتبقَى مشرعاً أبوابه أمام الزائرين سوى الصيدليات الليلية و مطاعم صغيرة تبيع المأكولات الشعبية والسريعة وحتى تلك سرعان ماتغلق بحلول العاشرة وعندما سألت عن سبب ذلك قيل لي إن الأوضاع تأثرت كثيرا بعد ثورة 2011 حيث كانت المحال تغلق بحلول المغرب؛ أما الآن فأخذت شيئاً فشيئاً تستعيد طبيعتها السياحية والاقتصادية والتجارية تدريجيا ، إضافة إلى أن التوقيت في تونس وقت زيارتي لها كان وفقاً للروزنامة الرسمية للدولة يتبع التوقيت الشتوي والذي يستمر حتى نهاية مايو ومطلع يونيو؛ وهومايعني بالنسبة للتونسيين من بعد الثورة أن الموسم ليس مناسباً بالقدر الكافي للسهر والسياحة والذي يمكن تجاوزه في أيام عطلة نهاية الأسبوع من مساء السبت والأحد ولكن بصفة عامة يستطيع الزائر أن يتجول في شوارع المدينة بكل طمأنينة في ظل الانتشار الأمني الكبير في كافة الأرجاء ونقاط التفتيش التي يشعر معها السائح والمواطن بالأمان والسكينة.

وعلى أية حال وجدت أن اكتشاف تونس والاستمتاع بمرافقها السياحية والثقافية والتاريخية وإشباع النظر ببهائها يناسبه فترات النهار أكثر من الليل الذي بالطبع له سحره الخاص للسهارى.

سيدي بوسعيد : سحر الأبيض والأزرق المتوسطي

وعندما يكون الختام مسكاً لابد وأن يكون مسكاً أبيضاً ينثر عبيره على هضبة سيدي بوسعيد الساحرة المطلة على البحر المتوسط بزرقته الصافية ، هذه المدينة السياحية بامتياز تستحق أن تكون ساحرة ، سارقة للعقل والروح بروعة تزينها بخفة وجمال بلونيها الأزرق والأبيض والذي طبع بصمة خاصة على بيوتها وأبوابها وشرفاتها المميزة منذ بنائها في القرون الوسطى وحتى يومنا هذا .


في طريقنا إلى سيدي بوسعيد مررنا بقرطاج؛ حيث المتحف الروماني الشهير الحاضن لمهرجان قرطاج الفني الشهير ، وحيث المقر الرئاسي للرئيس التونسي .. تتميز سيدي بوسعيد بإطلالتها الخلابة وتدرج مصاطبها وأبوابها المزخرفة الملونة والمقاهي المفتوحة التي يقصدها السائحون بكثافة خاصة في الصيف لتمتعها بطقس رائع معتدل تماما كما القهوة العالية ..

ومن أهم طقوس الزائرين إلى بوسعيد هو نقش الحناء والتزين بالمشموم التونسي و لانهاية لالتهام حلوى الـ ( بامبلوني بالسكر ) اللذيذة حتى التخمة واقتناء الهدايا التذكارية من الدكاكين المشبعة بالتفاصيل التراثية.

ولعلني لا أبالغ – حين أصف مشهد الغروب من على ارتفاع أكثر من 150 متراً فوق سطح البحر بإطلالته البانورامية البديعة وأنا أحتسي كأساً ساخناً من المشروب التونسي الأشهر وهو ( الشاي الأخضر بالنعناع واللوز) في قهوة (سيدي بوالشبعان ) وأتيه في الأفق الرحب بصمت خاشع – بأنها التجربة الأروع التي لابد أن يمر بها المرءُ في حياته بأن يذهب إليها ويقرر ألا يعودُ منها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق