اخبار مميزةالأخبار

قصة جامع النوري الكبير ومئذنته “الحدباء” في تسعة قرون

تحت شعار “إعادة روح الموصل” أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة بالشراكة مع مكتب اليونسكو في بغداد، ووزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، إطلاق مبادرة إعادة بناء جامع النوري الشهير بمنارته الحدباء، والذي يعد ثاني أقدم جامع في الموصل بعد الجامع الأموي.

تاريخ جامع النوري عبر العصور

يرجع تاريخ تشييد الجامع إلى عام 568هـ – 1173م، على يد الخليفة العبَّاسي المستضيء بالله الملك “نورالدين محمود زنكي” مؤسس الدولة الزنكية في مدينة الموصل، الذي عرف بمنارته الحدباء “المائلة” التي تعد الأطول في العالَم بين مثيلاتها، بالإضافة إلى مدرسته التي عرفت بمدرسة النوري.

يرجع سبب إنشاء الجامع كما يقول ابن خلكان في كتابه “وفيات الأعيان”، إن هناك في وسط الموصل خرابة كبيرة دارت حولها حكايات كثيرة حول خطورة بناء الخرابة، ولذا أشار الشيخ الزاهد “معين الدين عمر الملا”، وكان من كبار الصالحين بابتياع الخرابة وبنائها جامعًا؛ وأنفق فيها أموالًا جزيلة، ووقف على الجامع ضيعة من ضياع الموصل.

السبب الآخر لبناء الجامع هو معاناة المسلمين في الموصل من ازدحام المصلين في الجامع الأموي حيث لا يوجد غيره بالموصل، وقد رأى نور الدين حاجة أهالي الموصل إلى بناء جامع جديد، وبالفعل وكّل نور الدين شيخه معين الدولة عمر بن محمد الملا بأمر بناء الجامع عام 566هـ، بعد شراء الخرابة، واستمر البناء ثلاث أعوام حتى عام 568هـ،1173م.

تم ذكر الجامع في العديد من كتب الرحالة والمؤرخين أهمهم ابن بطوطة الذي قال عن الجامع: “وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث، وفي صحن الحديث منهما قبة في داخلها خصة رخام مثمنة مرتفعة على سارية رخام، يخرج منها الماء بقوة وانزعاج فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس فيكون له مرأى حسن”.
كما ذكره ياقوت الحموي في معجمه “في باب ذكر الموصل” وسورها يشتمل على جامعين، تقام فيهما الجمعة، أحدهما بناه نور الدين محمود وهو في وسط السوق، وهو طريق للذاهب والجائي، مليح كبير”، وقال عنه أبو شامة المقدسي “إليه النهاية في الحسن والإتقان”.

عانى جامع النوري ومدرسته من التخريب والإهمال بعد احتلال المغول للموصل وتدميرها عام 1258م، وخضع الجامع لعدة محاولات للترميم والصيانة منها عام 1150هـ، عندما تولى حسين باشا الجليلي ولاية الموصل قام بصيانة وتنظيف الجامع.

وفي القرن الثالث عشر الهجري قام محمد بن الملا جرجيس القادري النوري بترميم الجامع، وعانى الجامع فترات طويلة من الإهمال مرة أخرى، تم هدم المسجد والمدرسة الملحقة به وأعيد بناؤهما عام 1942، وفي عام 1944 قامت مديرية الأوقاف العامة بتوسيع مساحة الجامع وبناء أربعة مآذن جديدة.

وبعد احتلال تنظيم داعش الإرهابي لمدينة الموصل في عام 2014 قام مسئول التنظيم الإرهابي “أبو بكر البغدادي” بدخول الجامع في شهر رمضان وخطب الجمعة في الجامع، ثم قام التنظيم في 21 يونيو/حزيران 2017 بتدمير جامع النوري ومنارته الشهيرة الحدباء.

التصميم المعماري للجامع:

بعد هدم الجامع عام 1942 لم يبق منه غير المنارة والمحراب وبعض الزخارف الجبسية، أما الجامع الجديد يتكون من مصلى مستطيل الشكل مساحته 143مترا مربعا.

وينقسم بيت الصلاة إلى قسمين، الأول يحتوي على بوائك تطل على الصحن، والثاني غير مفتوح للبلاطات، أما عن المحراب الموجود بالجامع، فهو جزء أصلي في الجامع حيث كان سابقًا ضمن الجامع الأموي، ولكن تم تحويله عند بناء الجامع، وله شريط كتابي مكتوب بالخط الكوفي يحمل العديد من النقوش والزخارف النباتية في ثلاثة صفوف.

أهم ما يميز الجامع هو منارة الحدباء وهي المتبقية من الجامع الأصلي القديم، ويبلغ ارتفاعُها نحو 65 مترًا، وعرضها 17 مترًا، وهي مِن أعلى المآذن في العالم.

وقد بنيت المئذنة بسبعة أقسام زخرفية على شكل حلقات مزخرفة بأشكال هندسية معقدة وزخارف إسلامية متنوعة ومميزة، وتتكون من قاعدة مكعبة ثم جزء علوي ارتفاعه حوالي 20 متر، ولها مدخلان يتصل كل منهما بواسطة سلمان منفصلان في البداية ثم يلتقيان ببعضهما في الجزء العلوي.

أهم ما يميز المنارة أنها مائلة بضع أقدام عن وضعها العمودي رغم أنها تبدأ بداية صحيحة عند الأرض، وعند القمة قبل شرفتها وقبتها، تستعيد استواءها مرة أخرى.

وعلى الرغم من مرور مئات السنين على المئذنة المائلة إلا أنها قائمة لم تسقط، ولكنها معرضة لخطر الانهيار بسبب المياه الجوفية التي تحيط بها، بالإضافة إلى تعرضها للخطر إبان الحرب العراقية الإيرانية، وزادت نسبة ميلها أكثر، وهي من الآثار المدرجة في مؤسسة الصندوق العالمي للآثار والتراث في قائمة أكثر مائة أثر مهددة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق