اثار ومتاحفاخبار مميزةالأخبار

أمكنة دمشقية.. التكية السليمانية

في أجمل روضة من رياض دمشق وأشهر مروجها بنيت التكية السليمانية، فأطلت على شريانها بردى وجاورت نهرها بانياس وعانقت السماء بمئذنتين رشيقتين أشبه بالمسلّتين اللتين زينتا الشام بطراز إسطنبولي لم يكن مألوفاً فيها.
شيدت التكية السليمانية بأمر من السلطان العثماني سليمان القانوني، وسميت باسمه. بدأ العملُ بها سنة 1554 وانتهى سنة 1559، أي استغرق بناء هذه التحفة الفنية ما يقارب خمس سنوات، وبعدها تم بناء المدرسة الملحقة بها سنة 1566 للميلاد.
صممها المعماري العثماني الشهير (سنان باشا) الملقب بـ(معمار سنان) الذي تميزت عمارته بالمزج بين طرز العمارة في الشرق والغرب، وأشرف على بنائها المهندس الإيراني الأصل ملا آغا، إضافة للمهندس الدمشقي العطار، فوضع كل منهم بصمته المعمارية ليكون هذا الصرح.
تعني كلمة (تكية) التركية باللغة العربية المطعم العمومي للفقراء والدراويش، وهم طائفة من الصوفية العثمانية، أمثال المولوية والنقشبندية والأغراب، وغالباً ممن ليس لديهم مورد للكسب.
بدايةً كان الهدف من بنائها إيواء الطلبة الغرباء، وكذلك إيجاد مكان فسيح لاستقرار الحجاج الآتين من آسيا الوسطى وتركيا وأوروبا للاستراحة فيها قبل أن يكملوا طريقهم نحو الحجاز لتأدية فريضة الحج.
لا يوجد في التكية مئذنة أو منبر، أي أنها هي ليست جامعاً أو مدرسة، وإنما نجد في جهة القبلة حجرة صغيرة بها محراب لإقامة الصلاة، وأيضاً ليجتمع الدراويش في حلقات لذكر الله.
التكية بذاتها عبارة عن صحن مكشوف بشكل مربع تحيط به أربع ظلات، كل ظلة مكونة من رواق واحد، وخلف كل رواق توجد حجرات المتصوفين السكنية، وهذه الحجرات تتكون من طابق واحد أرضي.
قسمت التكية السليمانية وفق فن العمارة العثماني إلى قسمين بمساحة أحد عشر ألف متر مربع: التكية الغربية وتشتمل على مربع له سور وفيه ثلاثة أبواب رئيسة وصحن سماوي مبلط بالحجارة البيضاء والسوداء ومحاط بأروقة مسقوفة بقباب صغيرة وكبيرة متناوبة الحجم، إضافة إلى جامع يتوسط الجبهة القبلية مع مئذنتين ساحرتين، وبحرة واسعة مستطيلة مزخرفة الحواف ذات نافورة جميلة، وغرف على الجناحين الشرقي والغربي. وفي القسم الشمالي منها مطبخ ومستودعات خاصة بها في الوسط، وقاعدتان كبيرتان على طرفيها وبين السور والبناء حدائق مليئة بأحواض زهور دمشقية منتشرة في كافة أطراف المكان.
أما بالنسبة للتكية الشرقية فتضم مدرسة مؤلفة من ساحة واسعة وعدة غرف، وأروقة مسقوفة أيضاً بالقباب التي يبلغ عددها ثمان وثمانون قبة، ومصلى كبير، وهذه التكية مستقلة عن الغربية، وتبعد عنها خمسة عشر متراً تقريباً، وليس لها سور، وقد ألصق بواجهتها الشمالية الخارجية دكاكين متناظرة والتي تؤلف الجناح الجنوبي للسوق الممتد من الشرق إلى الغرب بطول خمس وثمانين متراً تقريباً، حيث تطورت فيها المهن الدمشقية اليدوية، ومنها البروكار الدمشقي، الزجاج التقليدي، النحاسيات، الموزاييك الشامي وغيرها.
الناظر لمسجد التكية ينبهر بقبته التي تميزت نوافذها بالزجاج الملون وألواح الخزف القيشاني الدمشقي التي تزينها أشكال الورود والأزهار وسعف النخيل المتشابكة مع الأوراق والأغصان النباتية بأجمل التدريجات اللونية الجذابة.
ويبدو تأثير المعمار سنان واضحاً في شكل القباب وفي شكل المئذنتين الواقعتين في زاويتي الجدار الشمالي للمسجد، وهما مضلعتان ولكن تبدوان أسطوانيتين يعلوهما قمع مخروطي من الرصاص، ولكل مئذنة شرفة محمولة على مساند من المقرنصات، وفي داخل المسجد محراب تعلوه زخارف حجرية مقرنصة وإلى جانبه منبر رخامي.
إن من أروع ما يميز هذه التكية هي الزخارف التي تعلو الأبواب والنوافذ التي تزين جدران المسجد من الداخل على شكل سجاجيد، وهذه الزخارف مؤلفة من ألواح خزفية صنعت كلها في دمشق، وهي ذات مواضيع زخرفية نباتية وكتابات قرآنية، بلونين: الأزرق والأخضر، وبعض اللون الأحمر الرمّاني الذي امتازت به ألواح الخزف الدمشقي عن الخزف التركي.
وينفتح حرم المسجد على الصحن بباب رائع الزخرفة تتقدمه مظلة ضخمة محمولة على أعمدة ذات تيجان ملساء، والمظلة مؤلفة من ثلاث قباب، ويتقدم المظلة رواق أقل ارتفاعاً محمول على قناطر ذات أعمدة ضخمة.
وأمام مبنى الجامع ورواقه المزدوج بحرة في صحن المبنى كأنها مرآة مائية تعكس جمال أشعة الشمس. هذه البركة مستطيلة الشكل وكسيت بأحجار وردية وسوداء اللون، وتتراقص المياه في نوافيرها بإيقاعات تترك أثرها الجمالي في نفس زائرها.
تضم التكية السليمانية اليوم سوق للصناعات الشعبية والمتحف الحربي السوري الذي يحتوي على تحف وأسلحة من كل الثقافات والحضارات التي مرت بدمشق. أما قبور ومدافن بعض السلاطين العثمانيين وعائلاتهم فلا تزال موجودة فيها إلى الآن، وتستقبل زوارها من المسؤولين الأتراك وعائلات السلاطين المدفونين فيها، وتقع في القسم الجنوبي حول طرفي المسجد الرئيس.
وهكذا فالسائر بموازاة نهر بردى يمكنه رؤية التكية السليمانية شامخة بين أشجار الصفصاف والصنوبر بقببها البيضاء المصطفة بشكل هندسي يوحي برصانة المشهد وتآلفه مع المكان، وفي رحابها يطير زائرها بخياله على كل ما مر في أروقتها وحدائقها ليتنفس كل نسمة من نسائم الياسمين الدمشقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق